أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1776.jpg?v=1764017646&w=220&q=100&f=webp

فراس طرابلسي

محامي | كاتب رأي

ريادة الأعمال تبدأ باحترام المكان

لم تعد عربات الطعام المتنقلة (food truck) مجرد ظاهرة عابرة أو موضة مؤقتة، بل تحوّلت إلى مساحة حقيقية لريادة الأعمال، ومنفذ ذكي للشباب لإطلاق أفكارهم، واختبار مشاريعهم، وبناء مورد رزق مشروع بأدوات بسيطة وطموح كبير. وهي، في جوهرها، تجربة إيجابية تستحق الدعم والتمكين؛ لأنها تعكس روح المبادرة، والعمل الحر، والقدرة على الابتكار خارج الأطر التقليدية.

غير أن نجاح أي فكرة لا يُقاس بانتشارها وحده، ولا بعدد من دخلوا هذا المجال، بل بقدرتها على التعايش المنظّم مع المكان الذي تعمل فيه. وهنا تحديداً تبدأ الإشكالية؛ إذ إن بعض المواقع المخصصة لعربات الطعام، رغم وضوح تنظيمها من حيث الوقوف والتجمع، تتحوّل بعد مغادرتها إلى مساحات مثقلة بالمخلفات وبقايا العمل، وكأن المكان مؤقت بلا أثر، أو أن تنظيفه مسؤولية جهة أخرى ستأتي لاحقاً لمعالجة ما تُرك خلفها.

الإشكال ليس في الفكرة، ولا في نوايا الشباب من أصحاب هذه المشاريع، ولا حتى في كثرة العربات، بل في غياب الربط الواضح بين الاستفادة من المكان والالتزام تجاهه. فالمكان العام ليس منصة عمل فحسب، بل جزء من المشهد الحضري، وحق مشترك للمجتمع، واحترامه ليس ترفاً تنظيمياً، بل أساس من أسس الاستدامة لأي نشاط اقتصادي.

ومن الخطأ الاعتقاد أن وجود تصريح رسمي أو ترخيص نظامي كافٍ وحده لضمان جودة التجربة. فالتصريح يُنظّم النشاط، لكنه لا يكفي لضمان أن الأثر بعد انتهاء اليوم سيكون إيجابياً. النظافة، والالتزام بالمحيط، وترك الموقع كما كان أو أفضل يجب أن تُعامل باعتبارها جزءاً من معايير التشغيل، لا مجرد مسألة تُترك لحسن النية أو لتدخل لاحق من البلدية.

التنظيم الذكي لا يعني التعقيد، ولا فرض أعباء مرهقة على أصحاب المشاريع، بل يعني وضع معادلة واضحة وبسيطة: من يستفيد من المكان، يلتزم بحمايته. ويمكن ترجمة ذلك عملياً من خلال اشتراطات واضحة، مثل إلزام صاحب العربة بتنظيف موقعه قبل المغادرة، وتوثيق ذلك بصرياً، أو ربط الاستمرار في الموقع أو تجديد التصريح بسجل الالتزام بالنظافة والانضباط العام.

بل يمكن التفكير في آليات أكثر نضجاً، كاعتماد تقييم دوري للمواقع، أو اشتراط تقديم ما يثبت الالتزام بنظافة المكان، لا باعتباره إجراءً عقابياً، بل جزءاً من الثقافة المهنية للمشروع. فكما يُطلب الالتزام باشتراطات السلامة الغذائية داخل العربة، يجب أن يُنظر إلى محيطها الخارجي بوصفه امتداداً مباشراً للنشاط نفسه.

لذا، فحين يُربط الترخيص أو الاستمرار في الموقع بسجل الالتزام، تتحوّل المسألة من عبء رقابي إلى ثقافة عمل. فصاحب المشروع الذي يحرص على نظافة موقعه، لا يحمي المدينة فحسب، بل يحمي مشروعه، وسمعته، وثقة المجتمع فيه. وهو بذلك يرسل رسالة غير مكتوبة مفادها أن الريادة ليست بيع منتج فقط، بل إدارة أثر.

وختاماً، فإن ريادة الأعمال لا تبدأ من العربة، ولا من وصفات الطعام، ولا من التسويق، بل من احترام المكان الذي منح المشروع فرصته الأولى. فالمشاريع الصغيرة تنجح، وتكبر، وتستمر، حين تدرك أن الأثر الذي تتركه بعد انتهاء اليوم، لا يقل أهمية عن الربح الذي حققته خلاله.

00:02 | 23-01-2026

آن الأوان لتسمية الأمور بمسمياتها

لم تكن المملكة العربية السعودية منذ نشأتها دولة تتخذ قراراتها بمبدأ ردّات الفعل، ولا تُدار سياساتها الإقليمية بمنطق الانفعال أو الاستجابة اللحظية. فمنذ تأسيسها على يد المؤسس المغفور له الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن، اعتمدت المملكة نهجًا ثابتًا في التعامل مع القضايا المعقّدة: حسن النوايا، وضبط النفس، وإتاحة المخارج للطرف الآخر قبل تثبيت المواقف. هذا النهج لم يكن يومًا تعبيرًا عن تردد، بل سلوك دولة تعرف وزنها، وتدرك أن إدارة الخلاف أحيانًا أكثر حكمة من تحويله إلى صدام مفتوح.


لهذا، ومن منطلق حكمة القيادة آثرت السعودية التحلي بصمت الكبار، وتجاوزت كثيرًا، وغضّت الطرف عن ممارسات لم تكن خافية عليها، لكنها آثرت اختبار النيّات بالفعل لا بالخطاب، ومنحت الوقت فرصةً لإعادة قراءة المصالح بمفهوم الدولة لا بمنطق الأدوات. غير أن حسن النوايا، حين يُساء تفسيره، يفقد معناه، وضبط النفس حين يُقابَل بالتمادي لا يعود فضيلة. ومن هنا، يصبح من المشروع ومن الواجب الانتقال إلى مرحلة تسمية الأمور بمسمياتها.


وفي هذا الإطار، لا بد بداية وضع لقاء القيادات والشخصيات الجنوبية الذي عُقد في الرياض مطلع الأسبوع الحالي في سياقه الصحيح. فهذا اللقاء لم يكن مؤتمرًا جامعًا، ولا تمثيلًا شاملًا للجنوب، بل اجتماع تشاوري لمكوّن واحد، يندرج ضمن مسار تمهيدي لحوار جنوبي شامل سوف ترعاه المملكة وتستضيفه بوصفه الإطار الوحيد القادر على التعبير عن الإرادة الجنوبية بكل أطيافها. تقديم الاجتماع بغير وصفه الدقيق لا يخدم القضية الجنوبية، بل يختزلها؛ وهنا تقتضي الأمانة السياسية تسمية الأمور بمسمياتها: خطوة تمهيدية لا تفويضًا سياسيًا.


فالقضية الجنوبية، في أصلها التاريخي، قضية عادلة ومشروعة، ولا خلاف على مركزيتها في أي حل دائم. لكن عدالة القضية لا تعني حصانتها من الاختطاف، ولا تبرّر اختزالها في شخص أو كيان. فالخلط بين المطالب الجنوبية المشروعة وبين ممارسات سياسية أضرّت بهذه المطالب وفي مقدمتها ممارسات عيدروس الزبيدي أفضى إلى تعميق الانقسام، وتوظيف الشارع لمكاسب شخصية، وإضعاف فرص الحل الجامع. حين نُجرّد الحدث من زخمه الإعلامي، يتضح أن الإشكال ليس في القضية، بل في من حاولوا توظيفها خارج مسار الحوار الشامل.


ومن الضروري هنا التأكيد على حقيقة واضحة، تتمثل في أحقية بقاء خيارات أبناء الجنوب بيدهم، وأن المملكة ليست في موقع الوصاية على أي خيار سياسي يرتضيه النسيج المجتمعي الجنوبي بما في ذلك خيار الانفصال متى ما جاء ثمرة حوار جنوبي–جنوبي صرف وشامل لا يفرضه شخص أو جهة ولا يحتكره مكوّن من خارج الإقليم. وهو ما حاولت المملكة رفضه من منطلق رفض فرض الأمر الواقع واحتكار التمثيل، وإقصاء أي فصيل من حق النقاش وتعدد الآراء. هذا الفارق ليس لغويًا، بل جوهري؛ وهو الفارق بين منطق الدولة ومنطق المغامرة.


ومن باب الإنصاف، عند قراءة الأزمة من زوايا المشهد الراهن، ألّا يتم التعامل مع الحوادث الأخيرة في منطقة الجنوب بوصفها حادثة معزولة عن سياقها الزمني. فالدور الذي لعبته أبوظبي في اليمن لم يبدأ بالأمس، ولا يمكن فصله عن مسار متراكم من التدخلات التي راكمت الوقائع على الأرض: من دعم تشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة، إلى فرض مراكز نفوذ موازية، ثم الانتقال إلى توظيف هذا الواقع سياسيًا وإعلاميًا. هذا المسار الذي قوبل طويلًا بصبر سعودي محسوب، لم يكن خافيًا على الرياض، لكنه أُعطي من الوقت أكثر مما يستحق، على أمل أن تُعاد قراءة المصلحة المشتركة بمنطق الدولة لا بمنطق الأدوات. وهنا يصبح لزامًا تسمية الأمور بمسمياتها: إن ما قُدِّم دعمًا للاستقرار انتهى عمليًا إلى إطالة أمد الأزمة وتعقيد مسارات الحل.


وحين تتشابه النتائج في أكثر من ساحة في اليمن كما في السودان، وفي الصومال، وفي ليبيا، فإن الإشكال لا يعود مرتبطًا بخصوصية كل ملف، بل بنهج واحد في إدارة النفوذ. عند هذه النقطة، يصبح من غير الدقيق الاستمرار في توصيف هذه الممارسات بوصفها دعمًا للاستقرار، بينما هي عمليًا تعيد إنتاج الفوضى وتطيل أمد الأزمات. وهنا تقتضي المسؤولية السياسية تسمية الأمور بمسمياتها: المشكلة في ممارسات حكومة أبوظبي وأدواتها على الأرض، لا في النوايا المعلنة ولا في الخطاب المصاحب.


في المقابل، اختارت قيادة المملكة مسارًا مغايرًا. لم تتعامل مع الجنوب كورقة تفاوض، ولا مع القضية الجنوبية كأداة ضغط، بل كملف سياسي يستوجب الرعاية لا الاستثمار. اللقاءات التي استضافتها الرياض، والتواصل المؤسسي مع القيادات والشخصيات الجنوبية، أسهما في تعميق فهم أبعاد القضية ورفع مكانتها السياسية، وأنتجا نتائج ملموسة، من تسريع معالجة أزمة صرف المرتبات إلى إعلان دعم اقتصادي وتنموي بقيمة 1.9 مليار ريال. هذا الفارق لا يحتاج إلى تزيين إعلامي؛ لأنه فارق نهج لا خطاب.


أما الشارع في عدن، فلا يمكن اختزاله في شخص، ولا يُفهم بوصفه تفويضًا لزعامة فردية. المظاهرات تعبّر عن قضية عادلة، لا عن أجندة ضيقة. استغلال هذا الغضب المشروع لخدمة تدخلات خارجية وتحديدًا أجندة أبوظبي إساءة للقضية قبل أن تكون إساءة للجنوب. هنا أيضًا يجب وضع الوصف في مكانه الصحيح.


لذا، فإن أخطر ما يرافق هذه المرحلة ليس السلوك على الأرض فحسب، بل الشحن الإعلامي الذي يحاول إعادة تعريف الصبر السعودي بوصفه ترددًا، وتصوير الوضوح بوصفه تهديدًا. والحقيقة أن الصبر السعودي لم يكن يومًا ضعفًا، وأن الوضوح القادم ليس تصعيدًا. هو انتقال محسوب من مرحلة الاحتواء إلى مرحلة ضبط المعنى، بعدما تبيّن أن استمرار التدخل الخارجي —بقيادة أبوظبي— في الشأن اليمني، والتحريض وشق وحدة الصف في مواجهة الإرهاب، يعرقل بشكل مباشر فرص الأمن والاستقرار.


وختاماً، لا بد من تثبيت المعادلة الأوضح: تسمية الأمور بمسمياتها ليست قطيعة ولا خصومة، وليست تخليًا عن الحكمة التي ميّزت السياسة السعودية. إنها لغة الدولة الواثقة حين تنتهي مرحلة الصمت ويبدأ واجب الوضوح الذي يحمي القضية الجنوبية من الاختطاف، ويحمي اليمن من الفوضى، ويؤكد أن الاستقرار الإقليمي لا يُبنى بالأدوات، بل بالدول.

23:59 | 19-01-2026

الجوازات السعودية... حين تتجاوز الخدمة معناها التقليدي

ليست كل زيارة لجهة خدمية تستوجب التوثيق، ولا كل اطّلاع يستحق أن يتحوّل إلى مقال. لكن أحياناً، تخرج من تجربة معيّنة وأنت تحمل شعوراً مختلفاً؛ شعوراً بالاطمئنان أكثر منه بالانبهار، وبالثقة أكثر من الدهشة. هذا ما تولّد لديّ بعد اطّلاع مباشر على ما يجري في المديرية العامة للجوازات، حيث لا ترى مجرد إجراءات تُنجز، بل منظومة تُدار بعقل يقرأ الحاضر بعناية، ويستعد للمستقبل بوعي واضح.


ما شاهدته عن قرب لم يكن استعراضاً لتقنيات متميزة، ولا سرداً لإنجازات، بقدر ما كان صورة لمؤسسة تجاوزت سؤال «كيف نُنجز الخدمة؟» إلى سؤال أعمق: «كيف نصمّم تجربة تحترم الإنسان، وتحمي المنافذ، وتُجسّد هيبة الدولة دون أن تثقل على من يتعامل معها؟». فقد بدا واضحاً أن هناك شعوراً بأن العمل لا يتوقف عند تلبية الحاجة الآنية، بل يتقدّم بخطى محسوبة نحو نموذج متكامل يُدار بهدوء، ويتطوّر بوتيرة متسارعة، دون ضجيج أو ادّعاء.


ومن أكثر ما لفت انتباهي أن التحوّل لم يتوقف عند الأنظمة والأتمتة، بل امتد إلى الإنسان نفسه. فالجميل في ما وقفتُ عليه أن منطق نقل الخبرة التقليدي من رتبة أعلى إلى رتبة أقل، كلٌّ بحسب فهمه واجتهاده لم يعد هو الأساس. اليوم، هناك عمل احترافي واضح على التأهيل والتدريب، من خلال معهد متكامل يُدار وفق أعلى الممارسات، لا يقوم على التلقين أو المحاضرات النظرية، بل على التدريب العملي، وبناء المهارة، ومحاكاة الواقع، وقياس الجاهزية.


الرسالة بدت واضحة: بأن لا شيء يُترك للصدفة. فالكفاءة لا تُبنى بالارتجال، ولا تُعلّق على فرد، بل تُصاغ بمنهج، وتُقاس بمعايير، وتُطوَّر باستمرار. هذا النوع من التأهيل لا يعكس فقط تطور جهة، بل يعكس عقل دولة أدركت أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأن الأمن الحديث لا يُدار بالأدوات وحدها، بل بالعقول المؤهلة التي تعرف ماذا تفعل، ومتى تفعل، وكيف تتعامل مع التفاصيل دون ارتباك.


وخلال هذا الاطلاع، توقفتُ عند نقطة ظننت قبل السؤال أنها من الملفات التي لا تحتمل كثيراً من التغيير، وهي إجراءات استخراج تذكرة المرور المؤقتة خارج المملكة. والتي بطبيعتها، تبدو هذه الخدمة حسّاسة، وكنت أتصور أنها ستظل محكومة بإجراءات مطوّلة نسبياً، حتى لو كانت ضرورية. لكن ما سمعته ورأيته كان مختلفاً تماماً.


فاليوم أصبح هناك ربط تقني مباشر بين عدة جهات، وإجراءات مختصرة، وقدرة على إصدار تذكرة المرور للمواطن خارج المملكة في وقت قياسي واستثنائي. لذا، فالرسالة التي التقطتها من هذا التحول أن زمن القبول بالتعقيد بحجة الحساسية قد انتهى، وأن الدقة والأمن لم يعودا يتعارضان مع السرعة، بل يُداران معاً ضمن منظومة واحدة محكمة، لا تترك مجالاً للثغرات، ولا تساوم على السيادة، ولا تُهمل إنسانية الخدمة.


في هذه التفاصيل الصغيرة، تتجلى الصورة الكبرى. فالجواز لم يعد مجرد وثيقة، ولا الجهة مجرد إدارة تنفيذية، بل نقطة تماس سيادي يومي، تُختبر فيها كفاءة الدولة، ومرونة أنظمتها، واحترامها لوقت الإنسان وكرامته. وما يبعث على الطمأنينة أن هذا التحول لا يبدو منغلقاً على ما تحقق، بل منفتح على تحسين مستمر، وتطوير متسارع، ورؤية تقرأ المستقبل قبل أن يفرض نفسه.


لهذا، فإن ما يحدث اليوم في منظومة الجوازات لا يمكن قراءته كتحديث إداري عابر، بل كجزء من منظومة أوسع تفهم أن السيادة الحديثة لا تُمارس بالقوة والتنظيم فقط، بل أيضاً بجودة التجربة، ودقة الإجراء، واحترافية الإنسان الذي يقف خلف النظام.


حين تصل مؤسسة سيادية إلى هذه المرحلة من النضج، فهي لا تطوّر خدماتها فحسب، بل تعيد تعريف علاقتها بالناس. الجواز هنا يصبح رسالة صامتة تقول إن الدولة التي تحمي حدودها بكفاءة، قادرة في الوقت نفسه على أن تُقدّم خدمة راقية، سريعة، وآمنة، دون أن تفقد هيبتها أو تساوم على معاييرها.


ذلك هو المعنى الحقيقي لأن تتجاوز الخدمة معناها التقليدي.

01:50 | 18-01-2026

ورحل القوي الأمين

ليس من السهل اختصار سيرة رجل دولة في كلمات، خصوصاً حين تكون هذه السيرة قد تشكّلت بهدوء، بعيداً عن الأضواء، ومضت في مسارها بوصفها واجباً. فبعض الرجال لا يُعرفون بكثرة ما قالوا، بل بثقل ما تحمّلوا، ولا يُقاس حضورهم بعلو الصوت، بل بعمق الأثر الذي يتركونه في مؤسسات الدولة وفي ذاكرة من عملوا معهم أو عرفوهم عن قرب.

إن رحيل الفريق أول سعيد بن عبدالله القحطاني ليس خبر وفاة فحسب، بل فقد لقيمة أمنية ووطنية تشكّلت عبر عقود من الانضباط والعمل الصامت. رجلٌ ارتبط اسمه بالأمن ارتباطاً راسخاً لا بوصفه قيادة أمنية رفيعة المستوى، بل بوصفه حاملاً للواء المسؤولية، كأمانة ثقيلة لا يحملها إلا من أدرك معناها.

في مسيرة الفقيد الممتدة لأكثر من نصف قرن، لم يكن حاضراً في الصفوف الأولى طلباً لزهو المشهد، بل كان في مقدّمة الصفوف حين يتعلّق الأمر بالواجب. وتنقّل بين مواقع حسّاسة، وتولى مهام دقيقة، في مواقع يتداخل فيها القرار مع المصير، ويتقدّم فيها الأمن بوصفه صمّام الاستقرار الأول. ولهذا، لم يكن اسمه مرتبطاً بالحدث العابر، بل بالثبات الذي يُبنى، وبالطمأنينة التي لا تُعلن.

وفي مثل هذه المناصب تحديداً، لا يكون المعيار معيار كفاءة فنية فحسب، ولكنها خصائص شخصية وأخلاقية تشكّل جوهر العمل الأمني في المجتمع السعودي، والمتمثلة في الانضباط، وضبط النفس، الأمانة، والقدرة على تحمّل المسؤولية دون ضجيج. وهي سمات لم تكن طارئة في سيرة الفقيد، بل كانت من صفاته الأصيلة في شخصيته، وهو ما جعله ركناً من أركان منظومة الأمن العريقة والتي تقوم على الثقة، المسؤولية.

وهنا لا يبدو الفقيد حالة فردية منفصلة عن سياقها، بل مثالاً على نمط رجالات يتشكّلون داخل هذا المجتمع، ويُؤتمنون على أدقّ ملفاته. فالعمل الأمني، في جوهره، ليس ممارسة حزم وقوة في كل وقت، بل ممارسة يومية للصبر، والحكمة، والانتباه للتفاصيل، والقدرة على اتخاذ القرار في اللحظة التي لا تحتمل الخطأ. وقد كان الراحل، صورة لكل هذه المعاني المعنى أكثر من كونه رجل دولة تقليدياً.

واللافت في سيرة الفقيد ليس فقط ما أنجزه، وإنما كيف أدّى دوره المؤتمن عليه. فالحزم الذي كان يمتاز به لم يكن مجرد صلابةً جافة، بل يتحاوز ذلك إلى قوة منضبطة تعرف حدودها، وتستند إلى أمانة داخلية عميقة. وتلك هي الأمانة التي تجعل صاحبها حاضراً حيث يجب أن يكون.

وأقول هذا من تجربة شخصية عابرة، لكنها كاشفة. فقد التقيته في مناسبات محدودة، خلال سفري على متن رحلة داخلية، في لقاءات قصيرة لا تسمح بالكثير من الحديث، لكنها تكشف الكثير عن الإنسان. رغم مقامه الكبير، ورغم الفارق العمري والمكانة الاجتماعية ، كان استقباله دوماً بابتسامة هادئة، ونظرة حانية، وإصغاء صادق يُشعرك دون تكلف بأنك أنت محل الاحترام. فلا أثر لوهج المنصب في حديثه، ولا مسافة مصطنعة في حضوره، بل تواضع رجل يعرف أن المكانة الحقيقية تُستمد من السلوك.

وفي مثل هذه اللحظات، يتّضح معنى لا يشيخ: أن القيم لا تُعرّف بالرجال، بل إن الرجال يُعرفون بما يحملون من حق ومسؤولية. وبعض الرجال لا يحتاجون إلى أن يُعرَّفوا عبر مناصبهم، لأن أفعالهم كفيلة بأن تُعرّفهم، وسيرتهم أصدق من أي توصيف.

رحل القوي الأمين، وبقي أثره شاهداً على أن الأمن، في جوهره، ليس إجراءً ولا منصباً، بل رجال يؤدّون أدوارهم بإخلاص، ثم يغادرون المشهد كما دخلوه: بهدوء، ودون ضجيج، تاركين خلفهم سيرة ناصعة وبصمة ممتدة الأثر.

23:56 | 15-01-2026

السعودية... حين تكون الزعامة ممارسةً لا خطاباً

مع تزايد النقاش حول الأدوار الإقليمية، وعودة بعض المفاهيم القديمة إلى التداول في الخطاب العام، تبرز الحاجة إلى التمييز بين ما يُقال عن الدول، وما تمارسه فعلياً على الأرض. فليست كل قراءة صائبة، ولا كل توصيف يعكس حقيقة الدور، خصوصاً حين تُختزل العلاقات المعقدة في عناوين مبسّطة أو مقارنات لا تعبّر عن طبيعة الفعل السياسي طويل المدى.

السعودية، في تجربتها الحديثة، لم تسعَ إلى تعريف نفسها عبر محيطها، ولا إلى توصيف دورها بلغة فوقية، بل تعاملت مع الإقليم باعتباره مجال مسؤولية لا ساحة استعراض. ولهذا، ظل حضورها مرتبطاً بفكرة الاستقرار أكثر من ارتباطه بفكرة النفوذ، وبالاحتواء أكثر من التصعيد، وبإدارة التوازنات أكثر من تسجيل المواقف.

ففي العلاقات بين الدول، تجاوز الزمن منطق التصنيفات والشعارات المبسّطة التي نشأت في مراحل سابقة من التاريخ السياسي. فمفهوم «الأخ الأكبر»، بوصفه توصيفاً للعلاقات الإقليمية، ينتمي إلى زمن كانت فيه الزعامة تُمارَس بالوصاية، وتُقاس بالهيمنة، ويُنظر فيه إلى الجوار باعتباره امتداداً لا شراكة. أما الدول التي بلغت مرحلة النضج، فقد تجاوزت هذا المنطق، لأنها أدركت أن الاستقرار لا يُدار من موقع فوقي، بل من موقع مسؤولية واحترام متبادل.

وفي هذا السياق، أعادت المملكة تعريف معنى الزعامة الإقليمية من خلال الممارسة العملية لا التنظير السياسي. لم يكن حضورها في محيطها قائماً على فرض المواقف، بل على القدرة على جمع المتنازعين حين تتعقّد الخلافات، والقيام بدور الوسيط عندما تنسد المسارات، والوقوف في مقدمة الداعمين عندما تتعرّض أي دولة لاعتداء أو تهديد، وتقديم الدعم اللوجستي والمالي والسياسي حين تكون الحاجة إليه مسألة بقاء لا ترف موقف. هذا الدور لم يُمارس بوصفه إعلان نفوذ، بل بوصفه تحمّلاً للكلفة؛ كلفة الصلح، وكلفة التهدئة، وكلفة منع الانزلاق، حتى حين يكون الطريق الأسهل هو الابتعاد أو الصمت.

دلالات هذا الدور لا تظهر في ملف واحد، ولا في لحظة عابرة، بل في نمط متكرر من السلوك السياسي. مبادرات صلح لا تُفرض بل تُبنى، دعم غير مشروط بعرفان أو منّة، ومواقف تُتخذ انطلاقاً من إدراك أن استقرار الإقليم مسؤولية جماعية، لكن المملكة كان قدرها أنها غالباً ما تكون في مقدّمة من يتحمّل عبئها. ولهذا، لم يكن اهتمامها بمحيطها نابعاً من رغبة في الهيمنة أو البحث عن دور، بل من فهم عميق بأن أمن المنطقة لا يتجزأ، وأن ترك الأزمات دون احتواء يفتح الباب لتكلفتها مضاعفة لاحقاً.

ولهذا، لم تكن السعودية في محيطها طرفاً يبحث عن تصنيف الآخرين، ولا لاعباً يحتاج إلى إثبات موقعه عبر المقارنة. موقعها ترسّخ بالفعل، لا بالقول، وبالنتائج، لا بالشعارات. فالدول التي تعرف وزنها الحقيقي لا تنشغل بإقناع الآخرين به، ولا تحتاج إلى توصيف ذاتها، لأنها تدرك أن الزمن كفيل بترسيخ الأدوار، وأن التاريخ لا يُكتب بردود الأفعال.

ومما لا يمكن إغفاله أن الزعامة في معناها العملي، ليست وصاية ولا ادعاء تفوق، بل استعداد دائم لتحمّل المسؤولية حين تتراجع الخيارات لدى الآخرين. والسعودية، في مسيرتها مع محيطها، لم تُعلن يوماً وصاية على أي جهة، ولم تقدّم نفسها باعتبارها بديلاً عن أحد، لكنها بحكم ثقلها وموقعها وجدت نفسها في كثير من الأحيان مطالبة بالوقوف، والمساندة، وملء الفراغ حين يشتد الضغط. وقد أثبت الزمن، في أكثر من موقف، أنه عندما تتكاثر الصعاب على أي دولة أو جهة، وتضيق المسارات، تكون المملكة غالباً أول من يبادر بالواجب، لا بحثاً عن تصدّر، بل التزاماً

بمسؤولية.

تلك هي الزعامة التي تُمارَس ولا تُعلَن، وتدرك أن قوة الدولة الحقيقية ليست في تضخيم ذاتها، بل في قدرتها على أن تكون عنصر توازن حين يختل كل شيء من حولها.

00:00 | 9-01-2026

الدولة التي تراهن على شبابها لا تخشى الضجيج

في الدول التي تُدار بعقل الدولة لا برد الفعل، لا يُفهم الأمن القومي باعتباره شأناً أمنياً محضاً، بل بوصفه منظومة متكاملة تبدأ من الإنسان، ومن وعيه تحديداً. ولهذا، لم يكن الشباب يوماً ملفاً اجتماعياً منفصلاً عن الواقع، بل ظلوا في صلب معادلة الاستقرار، وصمّام الأمان الأهم في مواجهة محاولات إعادة تشكيل الوعي خارج سياقه الوطني.


فالدولة التي تراهن على شبابها لا تخاطبهم عند الأزمات فقط، ولا تستدعيهم عند الضجيج، بل تبني معهم علاقة طويلة المدى قوامها الثقة، والعمل، والفرص الحقيقية. ومن هنا، لم يكن توصيف القيادة للشباب السعودي بوصفهم «الطاقة الحقيقية والقوة الحقيقية لتحقيق الرؤية» توصيفاً احتفائياً، بقدر ما كان تعريفاً لطبيعة المشروع السعودي نفسه: مشروع دولة ترى في وعي شبابها نواةً للأمن، وفي اندماجهم في مسار التنمية ضمانة للاستقرار.


في هذا السياق، يُفهم خطاب الدولة حين تتناول مسألة الاستهداف غير المباشر بوصفه تشخيصاً واعياً للتحدي الحديث، لا خطاب شعبوياً أو رد فعل لحظياً. فحين يشير المتحدث الرسمي للرئاسة العامة لأمن الدولة إلى ما وصفه بـ«الغزو المعلوماتي»، والتنبيه إلى خطورة الانسياق خلف أفكار لا تنسجم مع الواقع الوطني، فهو لا يطلق تحذيراً عابراً، بقدر ما يضع وصفاً جوهرياً لطبيعة التهديد في زمن مفتوح المصادر والرسائل: تهديد يستهدف الوعي قبل السلوك، والفكرة قبل الفعل.


وهنا تتجلّى إحدى أخطر صور التحديات المعاصرة، وهي ما يمكن تسميته بالعداء الوطني الناعم. هذا النمط من العداء لا يتخذ شكل الخصومة المباشرة، ولا يرفع شعارات صدامية، بل يتسلل عبر خطاب يبدو عقلانياً، أو نصائح تُقدَّم في ثوب الحرص، أو مقارنات تُطرح على أنها واقعية. جوهر هذا الخطاب ليس نقد السياسات، بل تقويض الثقة، ولا مساءلة الأداء، بل إضعاف الإيمان بالمشروع نفسه، عبر تصوير الإنجاز على أنه مؤقت، والطموح على أنه مبالغة، والتحول على أنه مغامرة غير محسوبة.


العداء الوطني الناعم لا يسعى إلى المواجهة، بل إلى الإرباك. لا يطلب الرفض، بل يزرع الشك. ولا يستهدف الدولة بوصفها كياناً، بل يستهدف المواطن والشاب تحديداً بوصفه حامل المعنى وصانع المستقبل. وخطورته أنه لا يُكتشف بسهولة، لأنه يعمل على إعادة تفسير الواقع خارج سياقه، وتفكيك السردية الوطنية بهدوء ودون إعلان خصومة صريحة.


من هنا، يصبح الشباب خط الدفاع الأول، لا لأنهم موضع استهداف فحسب، بل لأنهم الأكثر تأثيراً. فالشباب بما يملكونه من وعي وثقة في وطنهم وقيادتهم هم المورد الأول في أي مواجهة فكرية، وهم القادرون على تحويل الفكرة إلى طاقة بناء. وعندما يؤكد خطاب المتحدث الرسمي للرئاسة العامة لأمن الدولة أن الرهان مستمر على الشباب، وأنهم العنصر الأهم في أي مواجهة، فهو يرسّخ مفهوماً حديثاً للأمن القومي، يقوم على أن الحماية لا تتحقق فقط عبر الأدوات الصلبة، بل عبر بناء وعي جمعي مندمج في وطنه، ومحصّن بالعمل لا بالانفعال.


ولهذا، فإن دعوة الدولة للشباب بأن ينشغلوا بوطنهم، وأن يكون العمل والإنجاز محور حضورهم، لا تُقرأ بوصفها مطالبة بالصمت أو الانكفاء، بل بوصفها أعلى درجات الثقة. فالدولة لا تطلب من شبابها أن يردّوا على كل خطاب، ولا أن ينجرّوا إلى كل نقاش، بل أن يجعلوا من العمل نفسه رداً، ومن الاستمرار في البناء إجابة عملية على كل محاولات التشكيك.


تلك هي الدولة التي تراهن على شبابها.. رهان واثق، طويل المدى، يدرك أن الاستثمار في الإنسان ليس مجرد خيار اجتماعي، بل أكثر أشكال الأمن استدامة.

00:43 | 5-01-2026

حين يُمس أمن المملكة تسقط كل الحسابات الأخرى

لم يكن اليمن يوماً ساحة لاستعراض القوة، ولا التحالف غطاءً لمشاريع جانبية، ولا التدخل السعودي بحثاً عن نفوذ أو مجد إقليمي. دخلت المملكة العربية السعودية اليمن لأنها دولة جوار تدرك أن الفوضى لا تُدار بالبيانات، وأن انهيار الشرعية في دولة على حدودها لا يمكن احتواؤه لاحقاً مهما طال الزمن. فترك اليمن يتفكك كان يعني تهديداً مباشراً لأمن المملكة وأمنها، وفتح المجال أمام السلاح والطموح السياسي والمشاريع العابرة للحدود تعيد رسم المشهد خارج إرادة اليمنيين أنفسهم.

فمنذ البداية، كان القرار السعودي واضحاً ومعلناً: حماية الأمن القومي للمملكة لا ينفصل عن حماية اليمن، ولا تُبنى على حساب شعبه أو وحدته أو شرعيته. فلم تتعامل المملكة مع اليمن كملف نفوذ، بل كمسؤولية سياسية وأمنية وإنسانية، حملت عبئها الأكبر، وقادت تحالفاً هدفه الاستقرار لا إعادة توزيع الأدوار. فقد كان ولا يزال الرهان السعودي منذ اليوم الأول أن استقرار اليمن هو الطريق الأقصر لحماية المنطقة، وأن أي حل لا يمر عبر الدولة اليمنية لن ينتج إلا فوضى مؤجلة.

وفي هذا الإطار، لم يكن التحالف السعودي مجرد تنسيق عسكري عابر، بل التزام سياسي وأخلاقي بقواعد واضحة: دعم الشرعية، حماية مؤسسات الدولة، ومنع تفكك الساحة إلى كيانات مسلحة متنازعة. وكان الهدف إنهاء الفوضى لا إدارتها، وتجفيف منابع السلاح لا إعادة توجيهها، وبناء مسار سياسي قابل للحياة، لا فرض وقائع ميدانية تُعقّد أي تسوية لاحقة.

غير أن التحالفات، حين تنحرف عن غاياتها، تصبح أكثر خطورة من الخصوم أنفسهم. فالخلل الحقيقي لا يبدأ عند اختلاف الرؤى، بل عندما تُدار هذه الاختلافات خارج قنوات التنسيق، وبأدوات ميدانية تُفرض كأمر واقع. عندها لا يعود الأمر تباين تقدير أو اختلاف أولويات، بل مساراً يربك الهدف الذي قام عليه التحالف من الأساس، ويضع الدولة القائدة أمام معادلات لم تختارها.

وهنا تحديداً ارتفع الخلاف من كونه سياسياً قابلاً للإدارة إلى وقائع ميدانية صلبة. فحين تنتقل الاختلافات من غرف التنسيق إلى مسارات الإمداد، وحين يُضخ السلاح والتمكين لفصيل بعينه خارج إطار الدولة، فإن هذا الأمر لا يعود مجرد تباين في القراءة، بل تدخلاً مباشراً في معادلة الأمن. والأخطر أن بعض هذه التحركات جرت عبر قنوات لوجستية معروفة، وبعيداً عن أي تنسيق معلن داخل التحالف، بما أسّس لقدرة عسكرية مستقلة داخل ساحة يُفترض أنها تُدار بمنطق الشراكة لا بمنطق الوكالات.

وبذلك، فلم تعد المغامرة السياسية شأناً يمنياً داخلياً، ولا خلافاً عابراً بين حلفاء، بل تحوّلت إلى تهديد مباشر لمعادلة الردع والاستقرار التي قامت عليها الشراكة منذ بدايتها. فالسلاح، حين يُسلَّم خارج الدولة، لا يبقى أداة ضغط سياسية، بل يتحوّل إلى عامل فوضى مفتوحة، أول من يدفع ثمنها دولة الجوار التي تتحمّل كلفة الأمن وحدها، وتواجه ارتدادات أي انفلات ميداني بلا وسيط.

هنا تتباين الحسابات بوضوح. فدولة قد ترى في بعض الساحات مجالاً لترتيب نفوذ أو إدارة مصالح مرحلية، بينما ترى السعودية في الساحة ذاتها خط تماس مباشر مع أمنها الوطني. ما يراه طرف آخر خطوة صغيرة أو مراوغة ميدانية، تراه السعودية خطراً طويل المدى، لأنها دولة حدودها مفتوحة على الحدث ولا تستطيع المجازفة أو القبول بحلول غير واضحة.

لذلك، لم يكن الموقف السعودي رداً متسرعاً، ولا تصعيداً غير محسوب العواقب، بل إعادة ضبط لبوصلة التحالف عند لحظة مفصلية. فحين يُمس أمن المملكة، تسقط كل الحسابات الأخرى، لأن هذا الأمن ليس بنداً تفاوضياً داخل أي شراكة، ولا ملفاً قابلاً المساومة. فالتحالفات تُبنى لرعاية أمن الدول، لا لاختباره، وتُدار لحماية الاستقرار، لا لإعادة تعريفه وفق حسابات ضيقة.

والأهم، أن هذا الموقف لا ينطلق من قطيعة، ولا من إنكار لعمق العلاقات، ولا من تجاهل لتعقيدات المشهد الإقليمي. لكنه ينطلق من قاعدة سيادية بسيطة: لا شراكة يمكن أن تستقيم إذا طُلب من دولة أن تتعايش مع تهديد أمنها باسم التنسيق، ولا تحالف ينجح إذا خرج عن غايته الأولى وتحول إلى ساحة فرض وقائع.

في النهاية، لا تتحدث المملكة هنا من موقع الانفعال، بل من موقع المسؤولية. مسؤولية تجاه أمنها الوطني، وتجاه اليمن، وتجاه فكرة التحالف نفسها. فالدول التي تقود تحالفات لا تقايض أمنها، والدول التي تحترم شركاءها لا تفرض عليهم مسارات ميدانية خارج إطار التفاهم.

تلك هي القاعدة التي لا تحتمل التأويل ولا تقبل الاجتهاد: حين يُمس أمن المملكة، تسقط كل الحسابات الأخرى.

00:02 | 2-01-2026

الحبر.. بين توصيف جميل وقلق نجيب

في أحد الحوارات الماتعة التي تم بثّها عبر «بودكاست عكاظ»، تحدّث الصحفي المتمرّس الأستاذ جميل الذيابي عن التحوّلات العميقة التي تمرّ بها المنظومة الإعلامية، وتوقّف عند مسألة «الانعتاق من الحبر» بوصفها توصيفاً مهنياً لواقع متغيّر، لا حكماً ثقافياً ولا إعلان قطيعة مع الصحافة الورقية. هذا الحديث فتح باب نقاش لافت، كان من أبرز محطاته مقال الكاتب المتميّز نجيب يماني المنشور في صحيفة «عكاظ» بتاريخ 28/12/2025، الذي عبّر فيه عن قلق ثقافي مشروع على معنى الصحافة الورقية ودورها الإنساني.


وأقولها بصدق، إنني لم أجد نفسي مدفوعاً للكتابة انحيازاً لطرف على حساب آخر، ولا رداً بدافع المناكفة، بل لأنني رأيت في حديث جميل وحكمة نجيب، اللذين وُضعا في مواجهة مباشرة، بينما هما في جوهرهما ينطلقان من هاجس واحد، وهو حماية المنظومة الصحفية، كلٌّ من زاويته. فالأستاذ جميل كان يصف التحوّل كما يراه من داخل التجربة المهنية ومن موقعه التنفيذي في بلاط صاحبة الجلالة، والأستاذ نجيب كان يحاكم الأثر الثقافي لهذا التحوّل بقلق العاشق للقلم وهو أمر مفهوم. ومن هذه المسافة بين التوصيف المهني والقلق الثقافي، لم أرَ في الأمر سجالاً بقدر ما لمست اختلاف زوايا يستحق قراءة أخف وطأة.


فحين تحدث جميل الذيابي عن الحبر، لم يكن بصدد إطلاق بيان ضد الماضي، ولا إعلان نهاية زمن، بل كان يجيب عن سؤال مباشر في سياق مهني واضح. قال إن العالم تغيّر، وإننا أمام موجة وعواصف وزلزال في المادة الإعلامية والصحفية، وإن الخيارات باتت محدودة؛ إما أن تتغيّر وتتماشى مع متغيّرات الزمن، أو يأتي الطوفان ويجرفك. ثم أكّد، بوضوح لا لبس فيه، أن الحضور يجب أن يكون في الورقي، والإلكتروني، والمرئي، بما يتوافق مع مجريات هذا التحوّل المتسارع.


من هنا، لا يبدو أنه كان في وداع الحبر، بل في مواجهة الطوفان. و لم يتحدث بلسان شاعر يحنّ إلى الماضي أو يتنكر له، بل بلسان مهني يرى التحوّل بعين التجربة لا بعين الحنين. فمواجهة الطوفان لا تعني تهميش السفن القديمة، ولا التبرؤ من خبرة صنعت أسماء وذاكرة، بل تعني إدراك أن الإبحار اليوم يحتاج الى خرائط جديدة وبوصلة أدق، وأن الجمود في لحظة التحوّل قد يكون أكثر خطورة من التغيير نفسه.


أما الانعتاق الذي قصده فلم يكن انعتاقاً من الذاكرة، ولا تمرّداً على تاريخ المهنة، بل تحرّر من الاكتفاء بوسيط واحد في عالم لم يعد يعترف بالأحادية. فالحبر، في حديثه، لم يكن عبئاً ولا قيمة منتهية، بل جزء من منظومة أوسع لم يعد من الممكن أن تعمل بذات الأدوات القديمة وحدها. ومن الخطأ أن يُقرأ هذا التحوّل بوصفه إنكاراً لقيمة الورق، فيما هو في جوهره إقرار بأن الذاكرة وحدها لا تكفي إن لم تُصاحبها قدرة على الوصول، والتأثير، والاستمرار.


وفي المقابل، قرأ الزميل نجيب هذا التوصيف بقلق ثقافي مفهوم. فلم يعترض على التغيير في ذاته، بل على ما قد يترتّب عليه من تسطيح للمعنى، وتحوّل الصحافة من فعل إنساني ثقيل إلى منتج سريع الاستهلاك. هذا القلق ليس موقفاً عاطفياً ولا رفضاً للتقنية، بل دفاع عن جوهر المهنة في زمن تُغري فيه السرعة بإهمال العمق.


ومن هنا يتشكّل جوهر الاختلاف؛ فجميل يصف التحوّل كما يراه من داخل التجربة المهنية، ونجيب يحاكم أثره الثقافي كما يتصوّره على المدى البعيد. الفرق بين التوصيف والحكم ليس تفصيلاً لغوياً، بل اختلاف في زاوية النظر. الأول يُمسك بالواقع كما هو، والثاني يتوجّس مما قد يؤول إليه. وبين الزاويتين مساحة نقاش صحي، لا تستدعي الاستنفار بقدر ما تستدعي التوازن.


لذا، فالحبر، في نهاية المطاف، كان ولا يزال شامخاً، شاهداً على المعنى؛ رافق القرطاس، ثم مضى مع القلم وورق الصحف، ووجد طريقه كلما كُتبت الكلمة وسُجّل المعنى. لا يغار من التقنية، ولا يخشاها، ولم يطلب وفاءً أبدياً. يظهر حين يُستدعى، ويغيب حين تقتضي الحاجة، من دون ضجيج.


وهكذا، ليس النقاش حول الحبر نقاشاً عن الماضي أو المستقبل، بقدر ما هو نقاش عن وعي اللحظة. عن صحافة تعرف كيف تتغيّر دون أن تنسى، وكيف تُجدّد أدواتها دون أن تُفرغ رسالتها. وهذا، في النهاية، هو الرهان الحقيقي الذي يجمع جميل ونجيب، حتى وإن اختلفت زاوية النظر.

20:59 | 30-12-2025

حضرموت... أكبر من أي مغامرة سياسية

في حسابات الدول، لا يمكن التعامل مع المناطق الجغرافية بمنطق الاستعراض السياسي، ولا كل اللحظات السياسية تحتمل الخطوات الأحادية. فثمة مناطق، بحكم تاريخها وخصوصيتها وتركيبتها الاجتماعية، تُعامل باعتبارها مساحات توازن لا ساحات اختبار. وحضرموت، في هذا السياق، أكبر من أن تُختزل في مغامرة سياسية أو تُزج في صراع لا يشبهها.


كما أنه وفي مقاربات الدول الراسخة، لا تُدار المناطق الحساسة بوصفها أوراق ضغط، بل باعتبارها مسؤولية استقرار. ومن هذا المنطلق، لا يمكن التعامل مع حضرموت بمنطق اللحظة أو الانفعال، بل ضمن فهم عميق لتوازنها ودورها في معادلة اليمن ككل.


فما جرى مؤخراً في مناطق حضرموت والمهرة لا يمكن قراءته خارج هذا الإطار، فالتحركات التي شهدتها المحافظتان جاءت خارج المسار المؤسسي، ودون توافق مع مجلس القيادة الرئاسي، ودون انسجام مع منطق الشراكة الذي قامت عليه المرحلة الانتقالية. وقد تمثّل ذلك في تحركات ميدانية ومحاولات لإعادة انتشار قوات تابعة للمجلس الانتقالي داخل نطاق المحافظتين، وفرض ترتيبات أمنية جديدة دون تنسيق مسبق مع الجهات الشرعية المعنية، بما يضع مناطق مستقرة نسبياً أمام احتمالات تصعيد لم تكن جزءًا من معادلتها السياسية.


وعلى امتداد المرحلة الماضية، تعاملت المملكة مع هاتين المحافظتين بوصفهما ركيزتين للاستقرار، لا هامشين للصراع. ولهذا لم تكن مقاربة الرياض يوماً قائمة على منطق القوة، بل على منع انتقال التوتر إلى مناطق حافظت تاريخياً على توازنها، وتجنب تحويلها إلى مسارح مواجهة تُضاف إلى سجل النزاع اليمني المثقل أصلًا بالأزمات. فالتهدئة، حين تكون خياراً واعياً، لا تعني التراجع، بل تعني التحكم في مسار الأزمة قبل أن تستفحل، ومنع نقل الصراع إلى مساحات لم تكن يوماً جزءاً من المشكلة.


وفي هذا الإطار، بذلت قيادة المملكة جهوداً صادقة لاحتواء الموقف، والعمل على تهدئته عبر الحوار والتنسيق السياسي، والسعي إلى معالجة الوضع بما يحفظ هيبة الدولة اليمنية ويمنع الانزلاق إلى تصعيد عسكري ستكون له تبعات واسعة على مسار الأمن السياسي، فالاستقرار والتهدئة، في الحسابات السعودية، ليس موقفاً تكتيكياً، بل خيار استراتيجي يقدم مصلحة اليمنيين على حسابات اللحظة.


كما أن العمل المشترك لمعالجة الأوضاع، بالتنسيق مع الشركاء، عكس رغبة واضحة في إعادة الأمور إلى مسارها الطبيعي سواء مؤسسات قائمة، أو سلطة شرعية، وترتيبات أمنية تضمن عدم تكرار التوتر. غير أن استمرار التصعيد، وتجاهل فرص الخروج المنظم من الأزمة، يضع الفاعل السياسي أمام مسؤولية خياراته، ويكشف حدود الرهان على فرض الأمر الواقع، مهما بدا مغرياً في مكتسباته على المدى القصير.


وفي لحظات التحول، يصبح الالتزام بالإطار الشرعي ليس إجراءً شكلياً، بل صمام أمان سياسي، فالدولة لا تُبنى بالخطوات المتفرقة، بل بتراكم الثقة داخل المؤسسات، واحترام المسارات التي توافق عليها اليمنيون، مهما بدت بطيئة أو معقدة. وعليه، فإن كل مسار يتجاوز هذه الأطر إنما يراكم أزمات جديدة بدل أن يحل المعضلات القائمة.


وفي العمق، لا يمكن فصل ما يجري عن الإشكال الأوسع المتعلق بالقضية الجنوبية، فهي قضية عادلة، ذات جذور راسخة في الوعي السياسي اليمني، ولا يمكن تجاوزها في أي تسوية مستقبلية. لكنها، في الوقت ذاته، ليست حكراً لفصيل واحد، ولا تُختصر في قيادة أو كيان بعينه. فالجنوب، بتعدده الاجتماعي والسياسي، أوسع من أن يُمثل بصوت واحد، وأعمق من أن يُدار بمنطق الإقصاء أو الاستفراد.


ومن هنا، يصبح الخلاف حول الأدوات والأساليب جزءاً من جوهر النقاش، لا تفصيلاً عابراً فيه. فالقفز على المرجعيات السياسية، ومحاولة فرض مسارات موازية خارج الإطار الشرعي لا يخدم عدالة القضية، بل يضعفها ويُربك مسار الدولة. وهو منطق يعيد إلى الواجهة أنماطاً جرّبها اليمنيون من قبل، حين فُرضت الوقائع بالقوة من ميليشيات تعمل خارج إطار الدولة، وكانت النتيجة إضعاف المؤسسات وإطالة أمد الصراع والإضرار بالصالح اليمني.


وعوداً على بدء، فقد أثبتت التجارب اليمنية جلياً أن المشاريع التي تُدار بمنطق المغامرة السياسية غالباً ما تنتهي إلى تفاقم الأزمات بدلاً من حلّها. ولهذا، فإن الطريق الأكثر عقلانية يظل هو العمل من داخل الأطر السياسية القائمة، وتغليب منطق الدولة على منطق الفصيل، والحوار على فرض الأمر الواقع.

00:01 | 29-12-2025

الفارق بين الرأي والتأثير غير المنضبط

أعلنت الهيئة العامة لتنظيم الإعلام صدور قرارات بحق عدد من الحسابات والأشخاص، بعد ثبوت نشرهم محتويات مخالفة لأحكام نظام المطبوعات والنشر ولائحته التنفيذية، شملت مواد تدعو إلى الإخلال بالنظام العام، أو التأثير على المصلحة الوطنية، أو بث روح الشقاق، إلى جانب استغلال القضايا العامة عبر خطاب يقوم على التجييش والتأليب والتضليل.

وتضمّنت القرارات تغريم المخالفين، وإلزامهم بحذف الحسابات التي صدرت منها تلك التجاوزات، مع تأكيد الجهة المختصة عدم التهاون في التعامل مع أي محتوى إعلامي يخالف الأنظمة المعتمدة.

هذه القرارات لا يمكن قراءتها بوصفها إجراءً عقابياً معزولاً، بل باعتبارها ممارسة تنظيمية تستهدف ضبط السلوك الإعلامي في الفضاء الرقمي، وحماية المجال العام من التحول إلى ساحة للتأثير الجماعي غير المنضبط، أو منصة لتأليب الرأي العام خارج الإطار النظامي.

ومن الزاوية القانونية، يبرز هنا فارق جوهري كثيراً ما يُغفل في النقاش العام:

النظام لا يُقيم الرأي بذاته، بل يُقيّم أثره.

فحرية التعبير بوصفها مبدأً مكفولاً، لا تعني إطلاق المحتوى دون قيد، ولا تُحصّن صاحبه متى ما تجاوز من التعبير إلى التحريض، أو من النقد إلى التجييش، أو من الرأي إلى إحداث أثر عام يمس النظام العام أو المصلحة الوطنية. وهنا تحديداً تتدخل الجهة التنظيمية، لا لتصادر الفكر، بل لتنظم الفعل الإعلامي وآثاره.

المسألة إذن ليست في «ماذا قيل»، بل في كيف قيل، وبأي أسلوب، ولأي غاية، وما الأثر المترتب عليه. فحين يُستخدم الخطاب الإعلامي لإثارة الجمهور، أو لبناء حالة استقطاب حاد، أو لبث الشقاق والتشكيك، فإننا نكون أمام سلوك إعلامي له تبعات نظامية، لا مجرد رأي شخصي معزول.

ومن المهم هنا التوقف عند نقطة قانونية دقيقة:

الأنظمة الإعلامية لا تتدخل في الآراء الفردية بذاتها، لكنها تتحرك عندما يتحوّل الخطاب إلى ممارسة مؤثرة تمس الاستقرار العام، أو تُخل بالتوازن المجتمعي، أو تُستغل القضايا العامة لتحقيق حضور أو تأثير غير مشروع. في هذه اللحظة، ينتقل الفعل من نطاق الحرية إلى نطاق المسؤولية.

وهذا ما يُحسب للقرارات الأخيرة؛ إذ عكست فهماً متقدّماً لطبيعة المنصات الرقمية بوصفها أدوات تأثير واسعة، لا يقل أثرها عن وسائل الإعلام التقليدية، بل قد يتجاوزها سرعة وانتشاراً. ومن ثم، فإن إخضاع هذا التأثير لمعايير السلوك الإعلامي المنضبط ليس تقييداً، بل تطبيق لمبدأ التنظيم العادل للمجال العام.

الأخطر في خطاب التجييش أنه غالباً يُبنى على تبسيط مخلّ للقضايا، وإثارة انفعالات سريعة، وصناعة اصطفافات حادة، تُقصي أي نقاش عقلاني أو قراءة قانونية متزنة. وفي هذه الحالة، لا يصبح الخطر في الرأي ذاته، بل في الأثر التراكمي الذي يُحدثه هذا الخطاب على وعي المجتمع وتماسكه.

وعلى هذا الأساس، يتضح أن تنظيم الخطاب في الفضاء الرقمي لم يعد خياراً إدارياً، بل ضرورة نظامية تفرضها طبيعة التأثير واتساع دائرته. وفي ظل التوسع المتسارع لمنصات النشر الرقمية، تبرز أهمية وجود جهة تنظيمية لا تكتفي بالمراقبة، بل تمارس دورها في حماية المجال العام من الانزلاق، وضمان بقاء الخطاب ضمن حدوده النظامية، بما يحفظ التوازن بين حرية التعبير وسلامة الأثر. فالفارق بين الرأي والتأثير غير المنضبط ليس فارقاً لغوياً، بل معيار نظامي تُبنى عليه المسؤولية، وتُقاس به مشروعية السلوك الإعلامي، وتُدار على أساسه مساحة التعبير في دولة تُدار بالقانون، لا بردود الفعل ولا بضجيج المنصات.

00:03 | 26-12-2025